محمد بن وليد الطرطوشي

153

سراج الملوك

الباب الثامن في منافع السلطان ومضارّه قال حكماء العرب والعجم : مثل مضارّ السلطان في جنب منافعه ، مثل الغيث : الذي هو سقيا الله تعالى ، وبركات السماء ، وحياة الأرض ومن عليها ، وقد يتأذّى به المسافر ، ويتداعى له البنيان ، وتكون فيه الصواعق ، وتدرّ سيوله ، فتهلك الناس والدّواب والذّخائر ، ويموج له البحر ، فتشتدّ بليّته على أهله ، ولا يمنع ذلك الخلق - إذا نظروا إلى آثار رحمة الله تعالى في الأرض التي أحيا ، والنبات الذي أخرج ، والرزق الذي بسط ، والرحمة التي نشر - أن يعظّموا رحمة ربهم ويشكروها ، ويلغوا ذكر خواص الأذية التي دخلت على خواصّ الخلق . ومثاله أيضا مثل الرياح التي يرسلها الله تعالى نشرا بين يدي رحمته ، فيسوق بها السحاب ، ويجعلها لقاحا للثّمرات ، ورواحا للعباد ، ويتنسّمون منها ، ويتقلّبون فيها ، وتجرى بها مياههم ، وتتّقد بها نيرانهم ، وتسير بها في البحر أفلاكهم ، وقد تضرّ بكثير من الناس في برّهم وبحرهم ، وتخلص إلى أنفسهم ، فيشكرها الشاكرون ، وقد يتأذّى بها كثير من الناس ، ولا يزيلها « 1 » ذلك عن منزلتها من قوام عبادته ، وتمام نعمته . ومثاله أيضا ، مثال الشتاء والصيف : الذين جعل الله تعالى حرّهما وبردهما ، صلاحا للحرث والنسل ، ونتاجا للحب والثّمر ، يجمعهما البرد بإذن الله تعالى ، ويخرجهما الحر بإذن الله ، فينضج على اعتدال إلى غير ذلك من منافعهما ، وقد يكون الأذى في حرّهما وبردهما ، وسمومهما وزمهريرهما « 2 » ، وهما مع ذلك لا ينسبان إلّا « 3 » إلى الصلاح والخير ، وقد غمر صلاحهما أذيّتهما .

--> ( 1 ) في ( خ ) ولا يخرجها . ( 2 ) السموم : الريح الحارة / والزمهرير : شدة البردة . ( 3 ) سقطت إلا من ( ط ) .